


|
|
| |
|
صعدة برس - نص المحاضرة الرمضانية الأولى لقائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 01 رمضان 1447هـ 18 فبراير 2026م:
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبين، وَأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَات:
السَّـلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛
ومباركٌ لكم جميعاً ولنا حلول هذا الشهر المبارك: شهر رمضان، شهر البركات والخير والرحمة والمغفرة، الشهر الذي فتح الله فيه من أبواب من أبواب فضله، ورحمته، وكرمه الواسع، ما فضله به على سائر الشهور، وأتاح من خلاله فرصةً عظيمةً لعباده المؤمنين الذين يغتنمون هذه الفرصة، بإقبالهم الواعي إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والاهتمام بكل ما يقرِّبهم إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من الوسائل التي دلَّ عليها، من أسباب الخير، والفلاح، والنجاح، والصلاح.
شعبنا اليمني هو من الشعوب التي تتميَّز بمدى إقبالها واهتمامها بشهر رمضان المبارك، ولو أن ما طرأ من إمكانات وتقنيات، وبالذات في المجال الإعلامي على المستوى العالمي، فيما يتعلَّق بالإنترنت، والقنوات الفضائية، وما يُقَدَّم فيها من المسلسلات... وغير ذلك، قد فعل فعله في معظم الشعوب الإسلامية، في الحد من مستوى الإقبال الكبير في شهر رمضان المبارك، على ما ينبغي الاهتمام به والإقبال عليه، وما ينبغي إعطاءه الأولوية من التركيز عليه: هدى الله، القرآن الكريم، العبادة، الذكر، الاهتمام بالأعمال الصالحة في نطاقها الواسع... وغير ذلك، لكن لا يزال- مع كل ذلك- شعبنا اليمني من الشعوب الأكثر محافظةً، واهتماماً، وإقبالاً في شهر رمضان المبارك، على المساجد على العبادات، على الذكر، على القرآن الكريم بشكلٍ متميِّز... وغير ذلك من الأعمال الصالحة، والمميزات التي امتاز بها شهر رمضان المبارك.
هذا من نعمة الله ومن توفيقه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن الجو العام عندما يكون جوّاً يسود فيه الإقبال على القرآن الكريم، الالتزام بالصيام، الاهتمام بالذكر والدعاء، الإحياء للمساجد، هذا الجو العام يساعد على أن يكون الحال في واقع الناس هو التعاون على البر والتقوى، وأن يتشجَّع الكثير، ويتحفَّز الكثير، على الاهتمام، على الإقبال؛ تأثُّراً حتى بالجو العام نفسه، وهذه مسألة إيجابية في واقع الحال، وكما قلنا: هي من مظاهر: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2].
ولذلك يركِّز الأعداء في حربهم الشيطانية، المفسدة، المضلَّة، المميِّعة، الناعمة، في الاستهداف الأمة بشكلٍ عام، على تقليص ظاهرة الصلاح والإيمان، والاهتمام العام بفرائض الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والأعمال الصالحة، والقرب المقرِّبة إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والسعي لتقليص الفئات المتفاعلة مع ذلك، فهم يركِّزون على الاستهداف الواسع النطاق لفئة الشباب؛ بهدف صدِّهم عن الإقبال على ذلك، ولكثيرٍ من فئات المجتمع، وأثَّروا إلى حدٍ ما في بعض البلدان العربية وغيرها من العالم الإسلامي، ولكن في بعض الشعوب لا يزال التفاعل والإقبال بشكلٍ جيِّد.
السمة العامة في العالم الإسلامي بكله هي:
- الاعتراف بقدسية شهر رمضان المبارك، والتفاعل الإيجابي مع ذلك.
- وكذلك المعرفة العامة إجمالاً بعظيم فضله، وأنه يمثِّل فرصةً عظيمة في الأعمال الصالحة، ومضاعفة الأجر، والالتزام الإيماني، والارتقاء الإيماني والأخلاقي، وكذلك فيما يتعلَّق بليلة القدر، فيما يتعلَّق بالدعاء، فيما يتعلَّق بالتَّضرُّع إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"... وغير ذلك.
هذا شيءٌ معروف بشكلٍ عام في العالم الإسلامي عموماً، ولكن هناك تفاوت كبير في مستوى الاستفادة من شهر رمضان.
الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فتح أبواب رحمته على نحوٍ عظيمٍ وواسع في شهر رمضان، جعل الفرصة كبيرةً جدًّا، العروض التي يعرضها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من الخير العظيم، من رفيع الدرجات، من مضاعفة الأجر، من العطاء التربوي والإيماني... من كل أبواب الخير، التي أتاحها الله لعباده، هو عظيمٌ جدًّا.
والشيء المؤسف في واقع الناس، وفي المقدِّمة الأمة الإسلامية، هي: ضعف الاستيعاب لهذا العرض الإلهي العظيم، المغري المهم، الذي نحتاج إليه حاجةً ماسَّة، ليس بنا غنىً عنه، فيما نحن نلهث بكل جهد، بكل اهتمام وراء الكثير من الأمور البسيطة، التافهة، في مقابل عظيم ما يقدِّمه الله لنا ويعرضه لنا من خير الدنيا والآخرة.
وفعلاً الكثير من الناس تغريهم الأمور التافهة، ممَّا يلهثون وراءه بحسب شهواتهم ورغباتهم، ولا يلتفتون إلى عظيم ما يعرضه الله عليهم، وعظيم ما يمكن أن يحظى به الإنسان إذا استجاب لله، إذا أقبل إلى ما يعرضه الله عليه من الخير العظيم، وفي نفس الوقت كم هي الخسارة الكبيرة جدًّا، الناتجة عن الإعراض عن الله وعمَّا يقدِّمه ويعرضه لنا من الخير العظيم، ما فتحه من أبواب الرحمة الواسعة.
فضل الله واسع، ورحمته عظيمةٌ وواسعة، وهو يعرض الخير لعباده دائماً، أبواب رحمته مفتوحةٌ على الدوام، لكن هناك مواسم فيها المزيد والمزيد والمزيد من عطاء الله وفضله ورحمته، وتتهيأ فيها فرصٌ كبيرةٌ جدًّا، ومن الحسرة على الإنسان ومن الغبن العظيم أن يفوِّت مثل هذه الفرص، ومنها: فرصة شهر رمضان المبارك.
ولهذا ينبغي أن يلتفت الإنسان بجدِّيَّة إلى نفسه، إلى واقعه، وأن يُذَكِّر نفسه بهذه الحقائق المهمة: أنه لا ينبغي أن يفوِّت هذه الفرصة، التي هو في أمسِّ الحاجة إليها، نحن جميعاً بحاجة إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في كل شيء، في أمور الدنيا وأمور الآخرة، لأمور حياتنا هذه، وفي أمورنا لمستقبلنا الدائم والأبدي العظيم والمهم، وتجاهل الإنسان، أو ضياعه؛ نتيجة التشويش الذهني وضغط الأشياء من حوله، ليس فيه أي فائدةٍ له؛ إنما يخسر، ثم يندم بعد فوات الأوان.
والقرآن الكريم يذكر لنا حجم الحسرة والندم، للذين أضاعوا هذه الفرص الإلهية التي أتاحها الله، من رحمته وفضله وكرمه، وأضاعوا أنفسهم في هذه الحياة، في الأمور الهامشية، والتيه، ووراء الشهوات، وفي حالة من الانفلات والضياع؛ ثم في الأخير عندما فوجئوا بنهاية هذه الحياة، التي هي حياةٌ مؤقَّتة، ولها أجلٌ معلوم، كيف كانت حسرتهم عند الموت: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون:99-100]، فات الأوان، ضاعت الفرص؛ لكن بقيت الأحمال والأوزار والذنوب، التي لها تأثيرها الخطير على المستقبل الأبدي للإنسان يوم القيامة.
ثم تتكرَّر الحسرة الشديدة جدًّا في ساحة المحشر: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}[الفجر:24]، ثم الحسرة الكبرى والأفظع في نار جهنم، الإنسان يتمنَّى، ويطلب، ويدعو، ويتضرَّع، لو أن بإمكانه أن يعود إلى هذه الدنيا؛ ليعمل العمل الصالح، ليستثمر هذه الحياة، التي عرف قيمتها، أهميتها، ما يترتَّب عليها؛ لكن بعد فوات الأوان.
ولهذا أتى في القرآن الكريم الحديث الواسع عن كثيرٍ من التفاصيل المتعلِّقة بذلك؛ لتذكِّرنا نحن، ونحن نعيش مثل هذه الفرصة؛ لكي نغتنمها، ونحذر من التفريط.
شهر رمضان المبارك شهرٌ عظيمٌ، الأمة بحاجة في هذه المرحلة أكثر من أي وقتٍ مضى إلى الاستفادة منه، بما جعل الله فيه من العطاء الواسع، حالة المسلمين حالةٌ صعبة بكل ما تعنيه الكلمة، أُمَّة تعيش من الأزمات والضغوط، ومن التحديات والمخاطر، ما لا يعيشه غيرها، حجم الاستهداف لها كبيرٌ جدًّا، حجم الاستقطاب في داخلها رهيبٌ جدًّا، وكذلك حالة الخلل التي أثَّرت عليها في واقعها الداخلي إلى حدٍ كبير؛ ولهذا تجد الحالة الرهيبة في الأمة أشبه ما تكون بحالة التيه، حالة الاضطراب، حالة اليأس لدى الكثير من الناس، حالة أشبه ما يكون بالعمى؛ لا وعي، لا فهم، حالة من التخبُّط، حالة رهيبة، الأمة بحاجة إلى أن تعود إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لينقذها من الوضعية التي هي فيها، وأن تستفيد من هذه الفرص.
الله يقول عن شهر رمضان في فريضة الصيام فيه، وهي الركيزة الأولى المتعلِّقة بشهر رمضان: فريضة الصيام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، هذا المكسب الكبير والعظيم والمهم، الذي هو في مقدِّمة مكاسب الصيام، صيام شهر رمضان المبارك، عندما يؤدِّي الإنسان هذه الفريضة وهو يعي: أهميتها، فوائدها، ثمرتها، نتائجها ويتَّجه إلى أن يحقِّق لنفسه- بمعونة الله، بتوفيق الله، بالاستعانة بالله- هذه النتائج وهذه الأهداف، التقوى هي المكتسب الكبير، الذي يمكن الحصول عليه في مقدِّمة المكاسب.
المكاسب كبيرة من شهر رمضان في صيامه وقيامه وبركاته، في مقدِّمتها: التقوى، وفي نفس الوقت هذا المكسب الكبير، المهم، العظيم، هو الذي خسرته الأمة، الشيء الغائب في واقع الأمة؛ نتيجةً لتفريطها الكبير في مهامها المقدَّسة، وفي خللها في الالتزام العملي تجاه أوامر الله ونواهيه؛ ولهذا لابدَّ من لفتة نظر جادَّة في واقعنا كمسلمين، هذه مسألة مهمة لنا، لحياتنا في الدنيا، ولمستقبلنا في الآخرة.
اقترن في وعد الله الحق، في هديه المبارك، فيما يتعلَّق بالطاعة لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بالقيام بما أمر به، فيما يتعلَّق بفرائضه وتعاليمه، اقترن بها وعودٌ عظيمة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومنها ما يتعلَّق بهذا العنوان: عنوان التقوى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}[الأعراف:96]، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (1) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}[الطلاق:2]، يقول الله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}[الطلاق:4]، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}[الطلاق:5]... آيات كثيرة جدًّا، تبيِّن لنا أهمية التقوى، وما اقترن بها من وعد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
في واقع الأمة نجد الخسارة الكبيرة، عندما- مثلاً- تصبح العلاقة مع بعضٍ من فرائض الله، التي بقي الاهتمام بها في مستوى معيَّن، مع إضاعة الكثير من أوامر الله، والتفريط في الكثير من المسؤوليات الدينة العظيمة، والتجاوز في أمورٍ كثيرة، فيما يتعلَّق بحدود الله، وحرمات الله ونواهيه، فإذا بالأمة لم تعد تحصل على الثمرة الكاملة لإدائها لبعضٍ من هذه الفرائض والالتزامات الإيمانية؛ لذلك هذا يَدُلّنا بكل وضوح على أن هناك خلل في واقع الأمة، وأن الأمة بحاجة إلى إعادة تصويب وتصحيح للعلاقة مع أوامر الله، مع نواهيه، مع تعاليمه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لتؤديها بشكلٍ متكامل وبشكلٍ صحيح، حتى ترى مؤشرات القبول من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في تحقق وعود الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، التي تلمسها في واقع حياتها، وهذه مسألة مهمة؛ لأن هذا أيضاً مهمٌ ليس في هذه الدنيا فقط، في هذه الحياة الأولى، بل أيضاً لمستقبلنا في الآخرة.
الأمة أيضاً بحاجة إلى تعزيز علاقتها بالقرآن الكريم، وفق نظرة صحيحة إلى القرآن الكريم أنه كتاب هداية، وأن العلاقة به هي علاقة اهتداء، واتِّباع، والتزام، وعمل، وأنه كما قال الله عنه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]؛ لأن الخلل فيما يتعلَّق بمسألة التقوى يأتي نتيجةً لاتِّباع الأهواء، ونقصٍ في زكاء النفوس، ويأتي أيضاً نتيجةً للخلل الكبير في الأفكار، والرؤى، والمفاهيم، المنحرفة عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وعن نهج الله الحق، التي تتَّجه بالأمة في إطار المخالفة لأوامر الله ونواهيه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
الحالة الخطيرة في واقع المسلمين بشكلٍ عام، عندما نأتي إلى التقييم القرآني، أن الحالة هي حالة تعرُّض للمؤاخذة والعقوبة الإلهية، الأمة في معظمها تعيش حالة: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[التوبة:24]، تعيش حالة: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[التوبة:39]، تعيش اختلالات كبيرة جدًّا في الالتزامات العملية في كل المجالات، والأوضاع في واقع الأمة على المستوى السياسي، والاقتصادي، والأمني، والعسكري، والتبعية المذلَّة التي عليها معظم الأنظمة في العالم الإسلامي- عند العرب وغيرهم- لإعداء الإسلام إلى درجة الخضوع والاستسلام، وإلى درجة التسليم بالاستباحة من قبل الأعداء اليهود الصهاينة لهذه الأمة، هي حالة رهيبة جدًّا، أن تذل هذه الأمة تجاه من قد ضرب الله عليهم الذلَّة، وأن تكون خاضعةً مستكينة تجاه من ضرب الله عليهم المسكنة، وأن تكون تحت رحمة من قد باءوا بغضبٍ من الله! هذه حالة خطيرة جدًّا، تستدعي التفاتة جادَّة، للرجوع إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
هناك تفريط على مستوى المسؤوليات: في الجهاد في سبيل الله، في الاعتصام بحبل الله، في العمل على إقامة القسط، في الأخوَّة الإيمانية، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، في التراحم، في التكافل، في التعاون على البر والتقوى... في معظم المهام والمسؤوليات الجماعية، هناك اختلالات رهيبة على المستوى الأخلاقي، والسلوكي، والعملي، هناك مظالم لا حد لها ولا حصر، فيما بين الشعوب، ومن جهة الأنظمة والحكومات... وهكذا، حالة تستدعي التصحيح، والوعي بأن الخطر الكبير هو في مثل هذه الاختلالات، والمخالفات لأوامر الله ونواهيه، وفي عواقبها السيئة.
من أهم الأمور التي يجب الالتفاتة إليها، هي: تصحيح النظرة تجاه تعاليم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وأوامره ونواهيه، أنها من منطلق رحمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وبحكمته، وبعلمه، وهو الذي يعلم الغيب والشهادة، ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو الأعلم بمصالح الإنسان، وما فيه الخير للإنسان في الدنيا والآخرة؛ وبالتالي الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والثقة بما وعد به، وأنه حيٌّ قيوم، أنه مع كتابه، أنه يفي بوعوده، هذا يشدُّنا إلى هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
الله يقول عن شهر رمضان: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة : 185]، ويجد الإنسان من نفسه في شهر رمضان أنه مهيَّأ أكثر من أي وقتٍ آخر للاستفادة من القرآن الكريم، للتأثُّر به نفسيّاً، شعوريّاً، وجدانياً، وكذلك على مستوى التفاعل، الإصغاء، التقبُّل؛ فلـذلك من المهم الإقبال بشكلٍ كبير على القرآن الكريم في شهر رمضان، وعلى هذا الأساس: أنه كتاب هداية؛ لنصحِّح المفاهيم، الرؤية، التوجهات، العلاقات، المواقف، على أساس القرآن الكريم.
في شهر رمضان من المهم العناية بالدعاء؛ لأنه من أهم المواسم للدعاء، والله يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]، هي فرصة كبيرة جدًّا، ينبغي استثمارها بشكل كبير جدًّا، والإنسان بحاجة إلى الله في كل شيء، الدعاء على مستوى الهموم والأمور الشخصية، وعلى مستوى الأمور العامة.
من المهم الإكثار من ذكر الله، والاستفادة من قول الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}[البقرة:152]، هذا حافز كبير جدًّا لإكثارٍ من ذكر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأن يكون الذكر بالقلب واللسان، {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً}[الأعراف:205].
الاهتمام بالإحسان، والبر، وصلة الأرحام، وفعل الخير، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، ولأن ذلك من أعظم القربات إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والتي من جزائها في الدنيا: أن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يعطي الإنسان الخير الواسع، في مقابل عطائه، إحسانه... وما إلى ذلك.
العبادة واغتنام مضاعفة الأجر:
- الاهتمام بالصلوات النافلة مع الصلاة الفريضة.
- الاهتمام كذلك بمختلف أشكال العبادة المشروعة.
الحرص على التخلُّص من الرواسب، والسعي للارتقاء الإيماني، هذه مسألة مهمة جدًّا للإنسان، الإنسان عادةً خلال العام فيما واجهه من مشاكل، من ضغوط، من تحديات، من مؤثرات متنوعة، قد يكون قد ترسَّبت في نفسه ترسبات سلبية: مشاعر سلبية، عقد شخصية، إغراءات، ميول، اتِّجاهات سلبية؛ أهم وأحسن وأعظم وقت للتخلُّص منها هو شهر رمضان المبارك، ما ينبغي أن يحرص الإنسان على ذلك، وأن يعسى في المقابل أيضاً إلى ما هو أكثر: إلى الارتقاء الإيماني، والارتقاء الأخلاقي، كيف يزداد إيماناً، في علاقته بالله، في ثقته بالله، في انشداده إلى الله، في توجهه إلى الله، في مشاعره نحو الله: مشاعر الرجاء، والخوف، والخشية، والرغبة، والثقة... وغير ذلك، وكذلك في الاهتمام العملي: في الرغبة في العمل الصالح، في الاتِّجاه الإيماني، في أخلاقه التي تتجلَّى في معاملاته وتصرفاته واهتماماته.
من المهم الاستعداد لليلة القدر المباركة، وهذا من أهم الأمور، والاستعداد- كما قلنا في كلمة التهيئة- هو من بداية رمضان، التهيؤ، والاستعداد، والأخذ بأسباب التوفيق الإلهي، لإن ينال الإنسان الخير، وأن يحظى بالتوفيق لإحياء تلك الليلة المباركة، وأن يكتب الله له فيها الخير العظيم.
ولنتعامل مع شهر رمضان كفرصة عظيمة، كما في الحديث النبوي الشريف: ((وَهُوَ شَهْرٌ أَوَلُهُ رَحَمْةٌ، وَأَوسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ إِجَابَةٌ وَعِتْقٌ مِنْ النَّارِ))، يبقى من اهتماماتنا الكبرى: السعي لتحقيق الوقاية الكبرى: تقوى الله؛ ليقينا من عذابه، من نار جهنم، من أكبر خطرٍ على الإنسان، يصل إليه الإنسان بسوء أعماله، بتفريطه، بغفلته، باتِّباعه لأهواء نفسه، بانجراره وراء وساوس الشيطان ونزغات الشيطان، والمؤثرات السلبية. من أهم ما يكون حاضراً لدى الإنسان في مقدِّمة اهتماماته الكبرى: السعي لنجاة نفسه من عذاب الله الأبدي والدائم: نار جهنم والعياذ بالله.
هذا مما ينبغي التركيز عليه خلال شهر رمضان، وأن يقبل الإنسان على هذه الفرصة إقبالاً واعياً، برغبةٍ كبيرة، بإدراك لأهميتها.
نحن- إن شاء الله، وبتوفيق الله- سنكون في خدمتكم خلال هذا الشهر المبارك، في المحاضرات الرمضانية، في إطار القصص القرآني المبارك، الذي قصَّه الله علينا في القرآن الكريم، بما فيه من الدروس والعبر، والهداية الواسعة، لما نستفيده من ذلك، ويهدينا الله به، وفي إطار ما تتطلبه هذه المرحلة بالتحديد.
نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْكُمُ الصِّيَامَ وَالقِيامَ وَصَالِحَ الأَعْمَال.
وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛ـ |

|
|
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
RSS |
انشر في تيليجرام |
انشر في فيسبوك |
انشر في تويتر |
|
|
|
|
|
| |