- الشهيد السيد حسن نصر الله.. الصورة والصوت والموقف في ذاكرة جيل..

الأحد, 27-سبتمبر-2026
صعدة برس -
في بيت جدّه، على "الكومودينا"، يتذكّر علاء صورةً للشهيد السيد حسن نصر الله من طفولته. لا يذكر خطاباً ولا معركةً بوصفهما أول ما رآه؛ كانت الصورة جزءاً من أثاث البيت. لدى نور تبدأ الذاكرة بـ "صورته فوق جثمان هادي". أما زينب، فأول ما يحضرها وجهه ضاحكاً. ثلاث بدايات مختلفة لرجلٍ دخل بيوت هؤلاء قبل أن تصير مواقفهم منه أسئلةً سياسية.

في محاولة للحفاط على الموضوعية المهنية، في كتابة تقرير عن قائد، من الصعب جداً استبعاد الوجدان والمشاعر في الحديث عنه، اعتمدت على استصراحات لجيل كبر ونما وعيه السياسي مع تجربة سماحة السيد الشهيد السياسية والجهادية. ومع هذه الاستصراحات سيصبح سؤال "ما أول صورة تتذكّرها له؟" مدخلاً إلى سؤال أعمق: كيف رافقت تلك الصورة هؤلاء مع التحولات الكبرى التي شهدتها تلك التجربة على مدى ثلاثين عاماً ونيّف.

زمن الانتصارات الكبرى

لا يروي معظم من استُصرحوا حادثةً شخصية محدّدة؛ ولكنهم يردّدون جميعهم جملة بنت جبيل الشهيرة، بعد تحرير الجنوب اللبناني عام 2000: "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت". وتتذكّر نور ضحكته، ذلك اليوم.

من الممكن أن يسكن خطابٌ ذاكرة جيلٍ عبر تكرار بثّه وروايته، حتى إن لم نعرف مَن شاهده مباشرة في يومه.

لكن الصور الأولى تتكاثر بعد حرب تموز/يوليو 2006. لارا تتذكّره وهو يخرج إلى الحشود بعد الحرب ويخاطبهم: "يا أشرف الناس". وغدير تستعيد مشهد خطاب الانتصار، ومحمد دخوله إلى الاحتفال وسلامه على الحضور. كان ذلك في 22 أيلول/سبتمبر من العام نفسه، حين خاطب الجمهور وجهاً لوجه بعد أسابيع من إطلالات الحرب. في المقابل، يتذكّر علي احتفالاً في النبطية أحاط به فيه الحرس، فيما تبدأ صورة أحمد من ملصق تعلوه عبارة "جبروتهم تحت قدميك". ذاكرة تتجاوز الشريط المصوّر، لتصير منبراً وشارعاً وبيت.

قبل مشهد الاحتفال، علقت في آذان الكثيرين منهم رسالة البارجة. في خطاب متلفز يوم 14 تموز/يوليو 2006، دعا السيد الشهيد حسن نصر الله مشاهديه إلى النظر إليها وهي تحترق قبالة بيروت. تقول نور إن تلك الرسالة بقيت الأشد أثراً، وتتحدّث زينب عن الفخر، وغدير عن تسجيل ظلت تعود لسماعه. أما محمد، فكان ينتظر خطاباته، إبان الحرب، ليعرف أحوال الجبهة، لأنه كان يصدّق صاحبها، انتقلت العلاقة، بالنسبة إليهم، من صورة زعيم إلى صوت يضبط الخوف والانتظار.

مكانة في القلوب وإن اختلفت المواقف

كبر الجيل، ولم تكبر الصورة على وتيرة واحدة، اختلفت الآراء ربما، ولكن لم تختلف النظرة للقائد المقاوِم، صارت أكثر واقعية وأكثر "إنسانية"، فهو ليس المنزه والمعصوم، بعضهم وافقوه في خياراته وقراراته السياسية، الداخلية والخارجية، وبعضهم عارضوه، ولكنه بقي في نظرهم "الأب الأكبر"، كما تقول زينب، فلم يعد "القائد شبه المعصوم" كما عبر أحمد، ولكنه ظل قائداً، لا يفسد الاختلاف معه في الإعجاب والود والمحبة قضية.

برز ذلك في مواقف عديدة، مثل الموقف من الحرب في سوريا، والموقف من الأزمات السياسية الداخلية في لبنان. ففي حين رأت غدير في رأيه من الاحتجاجات الداخلية في لبنان، التي اندلعت في 17 تشرين الأول/أكتوبر عام 2019، مرجعية لها في التعامل مع "الانتفاضة الشعبية"؛ ورأت لارا أن الاحتجاج يومها كان واجباً، لكنها وافقت السيد الشهيد في خشيته من توظيفه، تملكت محمد خشية من أن يضع موقف حزب الله حينها "المقاومة في وجه الناس". لم يكن الخلاف انتقال من محبة إلى خصومة، كان اختبار لقيادة قادرة على أن تحافظ على مكانها في قلوب أبنائها، بعد أن يصيروا بالغين، وتتمايز مع بلوغهم مواقفهم ورؤاهم.

بوصلة فلسطين في صداه

تلتقي الإجابات عند فلسطين. تقول لارا إن الشهيد السيد حسن نصر الله رسم "بوصلة فلسطين" في شخصيتها، ويتحدث محمد عن القدس بوصفها حلماً حملته خطاباته، وغدير عن فلسطين عقيدةً تعلّمتها منه. أما أحمد فيتحدث عن أثره في بناء موقفه من القضية الفلسطينية ومظلومية شعبها.

مع حرب غزة التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عاد صوتُه يرتد مع صدى صرخات يا "قدس إننا قادمون"، في وجدان جيل، ارتبط ولاءه لتلك القضية بشخص هذا القائد. صدى لم ينقطع باغتياله في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 27 أيلول/سبتمبر 2024.

هي الفاجعة.. هل انتهى زمنه؟

كان علاء في المقهى حين وصل إليه الخبر عبر "واتساب"، تقول لارا إنها توقّعت إمكان شهادته بعد اغتيال القائد إبراهيم عقيل قبل أسبوع، "لكن التوقّع لم يمنع الصدمة". تذكر زينب خوفاً وفقداناً للأمان كأنها فقدت أباها، ويصف محمد جمودَه، فيما تقارن نور الصدمة بوفاة والدتها المفاجئ. يقول محمد كلمةً واحدة: "فاجعة". هذه شهادات عن تلقّي الخبر، لا مقياسٌ واحد للحزن؛ وهي تكشف لماذا بدا الغياب لبعض من اختلفوا معه انقطاعاً في سيرتهم هم أيضاً.

بعد عامين، تتنازع الصورةَ شوارعُ لبنان: في 2025 حلّت لافتات "عهد جديد للبنان" محلّ صورٍ له على طريق المطار، فيما تلتقي حشود كبيرة، أمام ضريحه، لتحيي الذكرى السنوية الأولى لرحيله، وسؤال كبير يدور في تغطيات الإعلام المحلي والعربي والعالمي، "هل انتهى زمن السيد حسن نصر الله بعد اغتياله؟". تقول غدير إن "العقيدة لا يحدّها زمان"، وترى لارا أن السيّد نصر الله ربى جيلاً لا يمكن أن يُمحى أثره، فيما ترى زينب أن حضوره سيبقى مستمراً بـ"التمسك بنهجه". في المقابل يرى محمد أن "نمط قيادته لا يتكرّر سريعاً". فيما يعتقد أحمد أن الزمن انتهى لكنه "سيولّد شيئاً جديداً".

بين صورةٍ على منضدة الجدّ، وكلمةٍ بقيت من بنت جبيل، ورسالة بارجة، وخبرٍ وصل إلى مقهى، تبقى مسافة لا تردمها إجابة جامعة: الصورة الأولى محفوظة؛ أما زمنها، فيختلف أصحابه حتى على معنى بقائه، ولكن الثابت أنه سيبقى طويلاً في الوجدان، وهذا البقاء تحديداً هو القادر على صناعة تحولات مستمرة، بمعزل عن متحولات السياسة الآنية، السريعة والمتقلبة.

* المادة نقلت حرفيا من موقع الميادين نت ـ الكاتب: مصطفى خليفة
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 27-سبتمبر-2026 الساعة: 10:44 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://www.saadahpress.net/news/news-51854.htm