صعدة برس - مثلت ثورة الـ 21 من سبتمبر تحولاً جذرياً في تاريخ اليمن المعاصر، إذ أنهت حقبة الارتهان والتبعية والوصاية الخارجية على البلاد، وأسقطت نفوذ السفارات الأجنبية التي كانت تتحكم في القرار السيادي اليمني ومقدراته، بما عزّز استقلالية القرار الوطني ووضع حداً لتلك المرحلة.
كان اليمن قبل ثورة 21 سبتمبر مُرتهناً للقوى الإقليمية والدولية، وكانت السفارات الغربية وخاصة الأمريكية في العاصمة صنعاء تتحكم في مفاصل الدولة ومسارات اتخاذ القرارات السيادية والشؤون الداخلية، ووصل الأمر إلى حد أن كان السفير الأمريكي هو الحاكم الفعلي لليمن.
ولم يقتصر تدخل السفير الأمريكي على الجانب السياسي، بل امتد، إلى المؤسستين العسكرية والأمنية، بما أفضى إلى تدمير القدرات الدفاعية اليمنية بما يخدم الأجندة الأمريكية، ويُبقي البلد في حالة من الارتهان وفقدان القدرة على امتلاك وسائل فاعلة للدفاع عن سيادته.
حالة الارتهان للخارج أوصلت اليمن إلى حافة الانهيار، حتى جاءت ثورة 21 سبتمبر 2014م، لتدفع بالبلاد من مرحلة التبعية إلى مرحلة استعادة القرار والسيادة الوطنية، ووضع حد للتدخلات الخارجية التي ظلت تعبث باليمن ومقدراته على مدى عقود طويلة.
ويُعد إنهاء الوصاية واستعادة القرار الوطني من أبرز إنجازات ثورة 21 سبتمبر؛ إذ كان القرار، قبل الثورة، لا يُتخذ في صنعاء، بل في العواصم الخارجية، فيما كانت مؤسسات الدولة تنفذ إملاءات وتوجيهات الجهات الدولية المانحة، دون أي اعتبار للمصالح الوطنية العليا أو للمقدرات الاقتصادية للبلاد.
تمكنت ثورة الـ 21 من سبتمبر من إفشال مشاريع وصاية القوى الإقليمية والدولية، وإحباط المخططات العدوانية التي سعت إلى تجزئة اليمن وتقسيمه وتحويله إلى ساحة مفتوحة للصراع وتصفية الحسابات وتنفيذ الأجندات الخارجية.
واليوم أصبحت صنعاء، صانعة القرار والنموذج الملهم للعواصم العربية والإسلامية في التعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية على أساس الندية والاستقلالية، لا طرفاً تابعاً ينفذ ما يُملى عليه، ولا تخضع للضغوط الخارجية أو للابتزاز السياسي، وباتت تتعامل مع محيطها الإقليمي والدولي انطلاقاً من رؤية تستند إلى استقلال القرار الوطني والسيادة.
نجحت ثورة الـ21 من سبتمبر، في إنهاء عقود من التبعية والارتهان، واستعادة اليمن لدوره الريادي في المنطقة، بعد أن بات يمتلك كل مقومات ووسائل الردع التي تمكّنه من حماية سيادته والدفاع عن خياراته وانتزاع حقوقه المشروعة في مواجهة قوى الاستكبار وأدواتها في المنطقة، بعدما كان يُنظر إليه، في مراحل سابقة، باعتباره حديقة خلفية لدول الجوار.
وأعادت هذه الثورة تشكيل خارطة التوازنات والقوى، لتضع اليمن في موقعه الصحيح على المستويين الإقليمي والدولي، كدولة تمتلك قرارها المستقل، وتتخذ مواقفها من مختلف القضايا بعيداً عن الإملاءات أو الوصاية الخارجية، ويتجلى ذلك، في مواقف اليمن الثابتة والمبدئية من قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وعلى الرغم من المحاولات الرامية إلى ثني اليمن عن مواقفه المشرفة، فقد تصدّر المشهد العربي والإسلامي في الدفاع عن قضايا الأمة، انطلاقاً من مبادئ ثورة 21 سبتمبر، وهو ما دفع قوى الاستكبار والهيمنة إلى شن حروبها العسكرية والاقتصادية على الشعب اليمني، بهدف ثنيه عن مواقفه تجاه قضايا أمته ومقدساتها، إلا أنها فشلت.
تميّزت ثورة الـ21 من سبتمبر بعمق ارتباطها الشعبي ورفضها للوصاية الخارجية، وانطلاقها من إرادة وطنية حرة لا تقبل الخضوع أو الاستسلام، ولم تكن مدفوعة أو ممولة من الخارج، وهو ما مكّنها من إنهاء التدخل الأجنبي في البلد، وترسيخ استقلال القرار الوطني.
وانسجاماً مع شعارها "حرية واستقلال"، مثّلت هذه الثورة، ترجمة لتطلعات الشعب اليمني نحو الحرية ورفض كل أشكال الهيمنة والوصاية والخضوع للخارج، وعدم القبول بالتدخل في شؤونه الداخلية أو التفريط في أي جزء من أرضه ومقدراته، وتمكن اليمن، من الصمود في مواجهة العدوان على مدى 12 عاماً، مُحافظاً على موقفه الرافض للوصاية والتدخل الخارجي.
وفي إطار السعي إلى التحرر من التبعية الاقتصادية، أولت ثورة 21 سبتمبر هذا الجانب اهتماماً كبيراً، من خلال العمل على بناء اقتصاد وطني قادر على مواجهة تداعيات العدوان والحصار، وتقليص الاعتماد على الخارج، وتشجيع الصناعات الوطنية وتوطينها، وزيادة الإنتاج لتحقيق الاكتفاء الذاتي، الذي يمكن البلد من اتخاذ قراراته دون أي ضغوط اقتصادية من الخارج.
وانطلاقاً من ذلك، بدأ اليمن، يمضي بخطوات ثابتة نحو بناء اقتصاد وطني يعتمد على الموارد والمدخلات المحلية، بالتوازي مع التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية بما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي وخفض فاتورة الاستيراد وتقليص الاعتماد على الخارج، بعد أن كان البلد يعتمد على الواردات لتلبية احتياجاته قبل قيام ثورة الـ21 من سبتمبر.
كما أسهمت هذه الثورة في إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الجامعة لليمنيين، وتحرير المجتمع اليمني من التبعية الفكرية والثقافية للخارج، وإفشال محاولات الأعداء لاستهداف هذه الهوية من خلال الحروب الناعمة، وفرض الثقافات الدخيلة على المجتمع اليمني، في تأكيد واضح على تمسك اليمنيين بهويتهم الوطنية وثقافتهم وحضارتهم الضاربة جذورها في عمق التاريخ.
تؤكد القيادة الثورية أن المعركة مع العدو لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة ثقافية وفكرية، ومعركة وعي لذلك أولت القيادة هذا الجانب اهتماماً كبيراً، من خلال التركيز على البرامج والأنشطة التوعوية الهادفة إلى ترسيخ الهوية الإيمانية والثقافة القرآنية، وتحصين المجتمع من الاختراق والغزو الثقافي، بهدف بناء جيل متمسك بهويته وقيمه وقضايا أمته، وقادر على مواجهة التحديات.
يحتفل الشعب اليمني بالعيد الـ 12 لثورة الـ21 من سبتمبر، وهو يحقق الانتصارات العظيمة على مختلف الجبهات، ويقدم التضحيات الجسام في مواجهة العدو السعودي وتحشيداته في معركة كسر الحصار وإنهاء العدوان والاحتلال، واستعادة السيادة الوطنية والثروات المنهوبة، باعتبار ذلك أحد أهداف ثورة الحرية والاستقلال ورفض الوصاية والتبعية والارتهان للخارج. |